القاضي عبد الجبار الهمذاني
463
المغني في أبواب التوحيد والعدل
في الحال لأنه مفارق لما يفعله بغيره مما ذكرناه ، على أن ما يفعله بغيره مما يعلم حسنه من جهة العقل ، فعند شيخنا أبى هاشم رحمه اللّه أنه لا يستحق به العوض ؛ لأنه لا يحتاج في حسن فعله به إلى سمع وارد عن اللّه تعالى يدل على تضمن العوض . وإنما يحسن منه لمثل ما له حسن ما يفعله بنفسه . فإن قال : فقد ذكرتم في أوّل الباب أنه تعالى فيما يلجئ إليه قد تضمن العوض كما تضمنه فيما أباحه ، فما الدليل على ذلك ؟ قيل له : إن الإلجاء آكد من الإيجاب فضلا عن الإباحة . وذلك لأنه تعالى إذا فعل بالعبد سبب الإلجاء فلا بد من وقوع الألم ، فيصير ذلك الألم كأنه من فعله من حيث ألجأ إليه . وإذا وجب العوض فيما يفعله سبحانه ، فكذلك فيما يلجئ إليه . فإن قيل : فيجب إذا حصل « 1 » ملجأ إلى الهرب من السبع أن يكون العوض في عدوه على الشوك على اللّه . قيل له : إنما نقول لوجوب العوض / عليه تعالى إذا كان هو الفاعل لسبب الإلجاء . أما إذا كان غيره فاعلا له ، فالعوض على ذلك الغير على ما نبنيه من بعد . فالقديم تعالى إذا ألجأ العبد بشدة جوعه وعطشه إلى الطعام والشراب فعدا « 2 » على الشوك ، فالعوض عليه تعالى . وكذلك إذا « 3 » ألجأ بالبرد الشديد إلى العدو وطلب الكنّ ، فالعوض عليه تعالى . وكذلك لو « 4 » أنه ألجأ إلى اختيار الإيمان والعبادات مع صعوبتها وأزال التكليف بهذا الإلجاء ، لوجب عليه تعالى العوض فيما يلحق من المضرة . وأما الإلجاء في الآخرة فهو على وجه لا مضرة فيه . فكذلك نقول إن الآخرة استمرار استحقاق العوض .
--> ( 1 ) أي الإنسان . ( 2 ) من العدو وهو الجرى . ( 3 ) في الأصل فإذا . ( 4 ) في الأصل فلو .